عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
300
اللباب في علوم الكتاب
فصل في بيان أن بالآية غيبين واعلم أن هذا إخبار عن غيب آخر ؛ لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد في شيء من الأزمنة ، ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات « 1 » فهما غيبان ، وقال هنا : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ [ البقرة : 95 ] فنفى ب « لن » ، وفي الجمعة ب « لا » [ قال صاحب « المنتخب » : ] « 2 » وذلك لأن دعواهم - هنا - أعظم من دعواهم هناك ؟ لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية ؛ لأن الثانية تراد لحصول الأولى ، فإنهم ادعوا هنا أنّ الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ، وادعوا في سورة « الجمعة » أنهم أولياء للّه من دون النّاس ، والسعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ؛ ومرتبة الولاية - وإن كانت شريفة - إلا أنها لا تراد ليتوسّل بها إلى الجنة ، فلما كانت الأولى أعظم لا جرم ورد النفي ب « لن » ؛ لأنه أبلغ من النفي ب « لا » . قوله : « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » بيان للعلّة التي لها لا يتمنّون ؛ لأنهم إذا علموا سوء طرقهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى عدم تمنّي الموت ، وهذه الجملة متعلّقة ب « يتمنّوه » ، والباء للسببية ، أي : بسبب اجتراحهم العظائم ، و « أيديهم » في محلّ رفع حذفت الضمة من الباء لثقلها مع الكسرة . و « ما » يجوز فيها ثلاثة أوجه : أظهرها : كونها موصولة بمعنى « الذي » . والثاني : نكرة موصوفة ، والعائد على كلا القولين محذوف ، أي : بما قدّمته ، فالجملة لا محلّ لها على الأولى ، ومحلّها الجر على الثاني . والثالث : أنها مصدرية أي : بتقدمة أيديهم . ومفعول « قدمت » محذوف أي : بما قدمت أيديهم الشّر ، أو التبديل ونحوه . قوله : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » ابتداء وخبر ، وهذا كالزّجر والتهديد ؛ لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى لا يخفى عليه شيء صار ذلك من أعظم الصّوارف للمكلّف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين ؛ لأن كلّ كافر ظالم ، وليس كلّ ظالم كافرا ، فذكر الأعم ؛ لأنه أولى بالذكر . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 96 ] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 ) فأخبر تعالى أولا بأنهم لا يتمنّون الموت ، ثم أخبر عنهم هنا بأنهم في غاية الحرص ؛ لأن ثم قسما آخر ، وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنّى الموت ، ولا يتمنّى الحياة .
--> ( 1 ) في أ : الأشخاص . ( 2 ) سقط في ب .